صديق الحسيني القنوجي البخاري

285

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 60 إلى 63 ] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 ) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ( 61 ) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 ) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ بين اللّه سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ما هو أولى بالتعييب وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن اللّه وغضبه ومسخه ، والمعنى هل أنبئكم أيها اليهود بشر من نقمكم علينا أو بشر مما تريدون بنا من المكروه أو بشر من أهل الكتاب أو بشر من دينهم . مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ أي جزاء ثابتا وهي مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر ، ووضعت هنا موضع العقوبة على طريقة فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ التوبة : 34 ] وهي منصوبة على التمييز من بشر مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أي هو لعن من لعنه اللّه أو هو دين من لعنه اللّه وَغَضِبَ عَلَيْهِ أي : انتقم منه لأن الغضب إرادة الانتقام من العصاة . وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ أي مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وهم اليهود فإن اللّه مسخ أصحاب السبت قردة ، وكفار مائدة عيسى منهم خنازير ، وقال ابن عباس إن الممسوخين كلاهما أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أي : جعل منهم عبد الطاغوت بإضافة عبد إلى الطاغوت ، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت ، لأن فعل من صيغ المبالغة كحذر وفطن للتبليغ في الحذر والفطنة ، وقرىء على أن عبد فعل ماض معطوف على غضب ولعن كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت أو معطوف على القردة والخنازير أي وجعل منهم عبد الطاغوت حملا على لفظ من . وقرأ ابن مسعود عبدوا الطاغوت حملا على معناها ، وقرأ ابن عباس عبد كأنه جمع عبد كما يقال سقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف أو جمع عابد كبازل وبزل ، وقرىء عبّاد جمع عابد للمبالغة كعامل وعمال ، وقرىء عبد على البناء للمفعول ، والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم ، وقرىء عابد الطاغوت على التوحيد ، وقرىء عبدة وأعبد الطاغوت مثل كلب وأكلب ، وقرىء وعبد عطفا على الموصول ، وهي قراءة ضعيفة جدا . وجملة القراءات في هذه الآية أربع وعشرون منها اثنتان سبعيتان والباقية شاذة ذكرها السمين ، والطاغوت : الشيطان أو الكهنة أو العجل أو الأحبار أو غيرها مما تقدم مستوفى ، وجملته : أن كل من أطاع أحدا في معصية اللّه فقد عبده وهو الطاغوت .